عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
133
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
معارف باللّه : المعرفة الأولى هي : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » « 1 » وقد سبق بيانه فيما مضى ؛ والمعرفة الثانية معرفة الألوهية وهي تعرف الذات جمالها من الصفات ، وهذه المعرفة بعد معرفة الربّ المقيدة بمعرفة النفس ؛ والمعرفة الثالثة هو الذوق الإلهي الذي يسري في وجود العبد فينزل بها في حقه من غيبه إلى شهادته ، يعني تظهر آثار الربوبية في جسده فيكون يده لها القدرة ، ولسانه له التكوين ، ورجله له الخطوة ، وعينه لا يحجب عنها شيء ، وسمعه يصغي به إلى كل متكلم في الوجود . وإلى هذا المعنى أشار عليه السلام بقوله : « حتى أكون سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به » « 2 » الحديث ، فيكون الحق ظاهره وهو الباطن . فالحاصل من هذا الكلام أن المراد بنزول الربّ ظهور آثاره وصفاته التي هي من مقتضيات الربوبية ، والمراد بسماء الدنيا ظاهر جسم الولي ، والثلث الأخير المعرفة الذوقية الإلهية السارية في وجود العبد التي بها يصح محقه وبها يتمّ سحقه ، فيتحقق حقه . والمراد بقوله : « في كل ليلة » من كل ظهور ذاتي في كل وليّ إلهي فافهم . ولا تخرج العبارة في الحديث بما أشرنا إليه عن ظاهر مفهوم الحديث بل تحقق بما نبهناك عليه ، ولا تترك أيضا ظاهر مفهوم الحديث ، فإن كلامه صلّى اللّه عليه وسلم يحتوي على أسرار لا تتناهى ، ولكلامه ظاهر وباطن ، ولكل باطن ظاهر ، ولكل ظاهر باطن إلى سبعة بطون ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلم : « إن للقرآن سبعة بطون » وكلامه شعبة من كلام اللّه تعالى ، لأنه « لا ينطق عن الهوى : إن هو إلا وحي يوحى » « 3 » صلّى اللّه عليه وسلم ، وشرف وعظم ، ومجد وكرم . الباب الموفي أربعين : في فاتحة الكتاب اعلم أن فاتحة الكتاب هي السبع المثاني ، وهي السبع صفات النفسية التي هي الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام ، وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه قد قسم الفاتحة بين عبده وبينه » « 4 » إشارة إلى أن الوجود منقسم بين الخلق والحق ، فالإنسان الذي هو الخلق باعتبار ظاهره هو الحق باعتبار باطنه ، فالوجود منقسم بين باطن وظاهر . إلّا ترى أن الصفات النفسية إنما هي نفسها وعينها صفات محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وكما يقال في الحق إنه حيّ عالم يقال في محمد إنه حي عالم إلى جميع
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) سبق تخريجه . ( 3 ) آية ( 3 ، 4 ) سورة النجم . ( 4 ) الترمذي ( 2953 ) وقال : حسن ، والبيهقي 2 / 37 : 39 .